ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
268
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
أجزاء مختلفة ويتصل به من أسفله عظم العصعص ( 1 ) وهو أيضا مؤلف من ثلاثة أجزاء مختلفة ثم وصل عظام الظهر بعظام الصدر وعظام الكتف وعظام البدن وعظام العانة وعظام العجز ثم عظام الفخذين والساقين وأصابع الرجلين فلا نطول بذكر عدد ذلك ومجموع عدد العظام في بدن الإنسان مائتا عظم وثمانية وأربعون عظما سوى العظام الصغيرة التي حشي بها خلل المفاصل فانظر كيف خلق جميع ذلك من نطفة سخيفة رقيقة وليس المقصود من ذكر أعداد العظام أن يعرف عددها فإن هذا علم غريب يعرفه الأطباء والمشرحون وإنما الغرض أن ينظر منها في مدبرها وخالقها أنه كيف دبرها مدبرها وقدرها وخالف بين أشكالها وأقدارها وخصصها بهذا العدد المخصوص لأنه لو زاد عليها واحدا لكان وبالا على الإنسان يحتاج إلى قطعه ولو نقص منها واحدا لكان نقصانا يحتاج إلى جبره فالطبيب ينظر فيها ليعرف وجه العلاج في جبرها وأهل البصائر ينظرون فيها ليستدلوا بها على جلالة خالقها ومصورها فشتان بين النظرين ثم انظر كيف خلق الله تعالى الآلات لتحريك العظام وهي العضلات فخلق في بدن الإنسان خمسمائة عضلة والعضلة هي مركبة من لحم وعصب وربط وأغشية وهي مختلفة الأشكال والمقادير بحسب اختلاف مواضعها وحاجاتها فأربع وعشرون عضلة منها لتحريك حدقة العين وأجفانها فلو نقصت واحدة من جملتها اختل أمر العين وهكذا لكل عضو عضلات بعدد مخصوص وأمر الأعصاب والعروق والأوردة والشرايين وعددها ومنابتها وانشعابها أعجب من هذا كله وشرحه يطول فللتفكر مجال في آحاد هذه الأجزاء ثم في آحاد الأعضاء ثم في جملة البدن فكل ذلك نظرا إلى عجائب أجسام البدن وعجائب المعاني والصفات التي لا تدرك بالحواس أعظم فانظر الآن إلى ظاهر الإنسان وباطنه وإلى بدنه وصفاته فترى فيه من الصنعة ما يفضي به إلى العجب وكل ذلك صنع الله في قطرة ماء قذرة فترى من هذا صنعه في قطرة ماء فما صنعه في ملكوت السماوات والأرض وكواكبها وما حكمته في أوضاعها وأشكالها ومقاديرها وأعدادها واجتماع بعضها وتفرق بعضها واختلاف صورها وتفاوت
--> ( 1 ) العصعص بضم العينين وزان القنفذ والعلبط وربما يجيء وزان عصفور وجاء على وزن الزبر والأدر بحذف ثاني العينين بمعنى مؤخر العظم والذنب وقد قيل إنه أول ما يخلق من الحيوان وآخر ما يبلى منه .